الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
79
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ سمّى المراضع أمّهات جريا على لغة العرب ، وما هنّ بأمّهات حقيقة . ولكنهنّ تنزّلن منزلة الأمّهات لأنّ بلبانهنّ تغذّت الأطفال ، ولما في فطرة الأطفال من محبّة لمرضعاتهم محبّة أمّهاتهم الوالدات ، ولزيادة تقرير هذا الإطلاق الذي اعتبره العرب ثم ألحق ذلك بقوله : اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ دفعا لتوهّم أنّ المراد الأمّهات إذ لولا قصد إرادة المرضعات لما كان لهذا الوصف جدوى . وقد أجملت هنا صفة الإرضاع ومدّته وعدده إيكالا للناس إلى متعارفهم . وملاك القول في ذلك : أنّ الرضاع إنّما اعتبرت له هذه الحرمة لمعنى فيه وهو أنّه الغذاء الذي لا غذاء غيره للطفل يعيش به ، فكان له من الأثر في دوام حياة الطفل ما يماثل أثر الأمّ في أصل حياة طفلها . فلا يعتبر الرضاع سببا في حرمة المرضع على رضيعها إلّا ما استوفى هذا المعنى من حصول تغذية الطفل وهو ما كان في مدّة عدم استغناء الطفل عنه ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنّما الرضاعة من المجاعة » . وقد حدّدت مدّة الحاجة إلى الرضاع بالحولين لقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ وقد تقدّم في سورة البقرة [ 233 ] . ولا اعتداد بالرضاع الحاصل بعد مضي تجاوز الطفل حولين من عمره ، بذلك قال عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، والزهري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ، والثوري ، وأبو يوسف ، وقال أبو حنيفة : المدّة حولان وستّة أشهر . وروى ابن عبد الحكم عن مالك : حولان وأيّام يسيرة . وروى ابن القاسم عنه : حولان وشهران . وروى عنه الوليد بن مسلم : والشهران والثلاثة . والأصحّ هو القول الأوّل ؛ ولا اعتداد برضاع فيما فوق ذلك ، وما روي أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة لمّا نزلت آية وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [ الأحزاب : 4 ] إذ كان يدخل عليها كما يدخل الأبناء على أمّهاتهم ، فتلك خصوصيّة لها ، وكانت عائشة أمّ المؤمنين إذا أرادت أن يدخل عليها أحد الحجاب أرضعته ، تأوّلت ذلك من إذن النبي صلى اللّه عليه وسلم لسهلة زوج أبي حذيفة ، وهو رأي لم يوافقها عليه أمّهات المؤمنين ، وأبين أن يدخل أحد عليهنّ بذلك ، وقال به الليث بن سعد ، بإعمال رضاع الكبير . وقد رجع عنه أبو موسى الأشعري بعد أن أفتى به . وأمّا مقدار الرضاع الذي يحصل به التحريم ، فهو ما يصدق عليه اسم الرضاع وهو ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين ولو مصّة واحدة عند أغلب الفقهاء ، وقد كان